يزيد بن محمد الأزدي
572
تاريخ الموصل
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم * حتى تفانوا وريب الدهر عداء فقال لها : لعنك الله ، أما تعرفين من الغناء غير هذا ؟ قالت : « ما تغنيت إلا بما ظننت أنك تحبه ، وما أردت ما تكرهه ، ما هو إلا شئ جاءني » ثم أخذت في غناء آخر فقالت : أما ورب السكون والحرك * إن المنايا كثيرة الدرك « 1 » ما اختلف الليل والنهار ولا * دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل السلطان من ملك * قد انقضى ملكه إلى ملك وملك ذي العرش دائم أبدا * ليس بفان ولا بمشترك فقال لها : « قومي غضب الله عليك » قال : فقامت ، وكان له قدح من بلّور حسن الصنعة ، وكان موضوعا بين يديه ، فقامت الجارية منصرفة فعثرت بالقدح فكسرته - قال إبراهيم : [ والعجب أنا لم نجلس مع هذه الجارية قط إلا رأينا ما نكره في مجلسنا ذلك ] « 2 » - فقال : « يا إبراهيم ألا ترى ما جاءت به هذه الجارية ؟ ثم ما كان من كسر القدح ؟ والله ما أظن أمرى إلا قد قرب » ، قلت : « يطيل الله عمرك ، ويعز ملكك ، ويكبت عدوك » قال : فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتا : قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ [ يوسف : 41 ] فقال : « يا إبراهيم سمعت ما سمعت ؟ قلت : ما سمعت شيئا - ولقد كنت سمعته - » ثم ركب فرجع إلى موضعه ، فما كان بعد هذا إلا ليلة أو ليلتان « 3 » حتى حدث ما حدث من قتله لستّ أو لأربع خلون من صفر ، سنة ثمان وتسعين ومائة . ودخل طاهر بن الحسين بغداد لعشر خلون من المحرم في هذه السنة . وأحاطت خيله بالمدينة والخلد ، فمكث محمد محصورا يوم الخميس ويوم الجمعة ، فلما كان يوم السبت أشار عليه السندي بن شاهك بالخروج إلى هرثمة وكان هرثمة قد ضمن له الأمان إن خرج إليه وأنه إن أراد به المأمون سوءا قاتل دونه ، فبعث إلى هرثمة فوافى قبل العتمة مشرعة باب خراسان في حراقة « 4 » ، وبلغ طاهرا الخبر ، فبعث عدة من قواده نحو المشرعة ، وخرج محمد ومعه السندي بن شاهك وكوثر الخادم فصاروا في الحراقة مع هرثمة ، فأمر طاهر فرميت الحراقة بالحجارة والنفط ، فغرقت بمن فيها ، فغرق محمد وهرثمة ومن كان معهما ، فخرج هرثمة فركب زورقا ورجع إلى عسكره وسبح محمد حتى
--> ( 1 ) في تاريخ الطبري ( 8 / 477 ) ، الكامل ( 6 / 281 ) : الشرك . ( 2 ) زيادة من تاريخ الطبري ( 8 / 477 ) . ( 3 ) في المخطوطة : ليلتين . ( 4 ) الحراقة : بالفتح والتشديد ضرب من السفن فيها مرامى نيران يرمى بها العدو في البحر . ينظر : لسان العرب ( 10 / 42 ) .